ترتيل

صالح عليه السلام

قوم ثمود وحضارتهم

ثمود قبيلة عربية عريقة سكنت منطقة الحِجر — وتُعرف اليوم بمدائن صالح — في شمال غرب الجزيرة العربية. جاؤوا بعد قوم عاد الذين أهلكهم الله، فاستخلفهم الله في الأرض ومكّن لهم فيها تمكيناً عظيماً. كانوا أصحاب قوة بدنية هائلة وحضارة مادية متقدمة، فنحتوا الجبال بيوتاً عظيمة بمهارة فائقة: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. كانت بيوتهم آية في الإتقان والفخامة، منحوتة في الصخر الصلب بدقة مذهلة. أنعم الله عليهم بالبساتين والعيون والزروع والنخل: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ۝ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. عاشوا في رخاء ونعمة، لكنهم بدلاً من شكر الله على هذه النعم، تكبّروا وطغوا وعبدوا الأصنام من دون الله. فبعث الله إليهم أخاهم صالحاً عليه السلام ليردّهم إلى طريق التوحيد والحق.
الشعراء: 146-149الأعراف: 74الحجر: 82

نسب صالح ودعوته إلى التوحيد

صالح عليه السلام هو صالح بن عبيد بن ماسح بن عبيد بن حاضر بن ثمود، وكان من أوسط قومه نسباً وأفضلهم خُلقاً. بعثه الله رسولاً إلى ثمود وهو شاب، فبدأ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. قال لهم كما أخبرنا القرآن: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. ذكّرهم صالح بنعم الله عليهم واستخلافه إياهم بعد عاد: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾. حثّهم على الاستغفار والتوبة، وحذّرهم من عاقبة الكفر والعناد. وكان صالح قبل بعثته محبوباً بين قومه، يرجون منه خيراً كثيراً، فلما دعاهم إلى ترك أصنامهم تحوّلت محبتهم إلى عداوة: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. لكن صالحاً لم يتراجع وثبت على دعوته بصبر وإيمان.
الأعراف: 73-75هود: 61-62

مطالبة القوم بآية ومعجزة

لم يكتفِ قوم ثمود بالرفض والعناد، بل طالبوا صالحاً بأن يأتيهم بآية خارقة تُثبت صدق رسالته. كانوا يعتقدون أنهم بذلك يُعجزونه ويُسكتونه. قالوا له: إن كنت صادقاً فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عظيمة عُشراء — أي حاملاً في شهرها العاشر. أشاروا إلى صخرة بعينها وطلبوا أن تخرج منها ناقة حيّة كاملة الخلق أمام أعينهم. كان هذا التحدي اختباراً عظيماً، فصالح عليه السلام لا يملك من الأمر شيئاً إلا أن يدعو ربه. فأخذ عليهم العهد والميثاق: إن أخرج الله لهم هذه الآية، أيؤمنون ويتّبعونه؟ فوافقوا. وهنا تتجلى حكمة الأنبياء: لا يُجادلون بالكبرياء بل يلجؤون إلى الله ويتوكلون عليه. قام صالح عليه السلام فصلّى ودعا ربه أن يستجيب لهم ويُظهر لهم آيته. وكان صالح واثقاً من ربه، يعلم أن الله قادر على كل شيء، وأن هذه فرصة ليُريهم قدرة الله التي لا حدود لها ويُقيم عليهم الحُجّة.
الأعراف: 73هود: 64الشعراء: 153-154

معجزة الناقة: آية الله العظمى

استجاب الله تعالى لدعاء صالح عليه السلام، فانشقّت الصخرة بقدرة الله وخرجت منها ناقة عظيمة عُشراء لم يرَ الناس مثلها قط. كانت ناقة ضخمة جميلة، تمشي بين الناس وترعى في أرض الله. وكانت هذه الناقة آية بيّنة لا يمكن إنكارها — ناقة حيّة خرجت من صخرة صمّاء بلا أب ولا أم، بأمر الله وحده. جعل الله لهذه الناقة شأناً خاصاً في الماء: كان لها يوم تشرب فيه من البئر وحدها، ويوم آخر يشرب فيه القوم: ﴿قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. وفي اليوم الذي تشرب فيه الناقة، كانت تُعطيهم من لبنها ما يكفيهم جميعاً — فكانت بركة ورحمة حتى من الناحية المادية. فلم تكن الناقة مجرد معجزة فحسب، بل كانت أيضاً مصدر نفع وخير لهم. ومع كل هذه الآيات الواضحة، لم يؤمن إلا القليل منهم، واستكبر أكثرهم وبقوا على شركهم وعنادهم.
الشعراء: 155-156القمر: 27-28هود: 64

التحذير الإلهي: لا تمسّوا الناقة بسوء

حذّر صالح عليه السلام قومه تحذيراً شديداً صريحاً من المساس بالناقة أو إيذائها بأي شكل من الأشكال: ﴿وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾. أضاف الناقة إلى الله تعظيماً لشأنها — فهي «ناقة الله» وليست ناقة عادية، والاعتداء عليها اعتداء على أمر الله مباشرة. كان هذا الأمر اختباراً إلهياً واضحاً: ناقة ترعى في أرضكم وتشاركم الماء بالتناوب، تعطيكم لبناً في يوم شربها، فما عليكم إلا أن تتركوها في سلام. اختبار يبدو بسيطاً لكنه يكشف حقيقة الإيمان والطاعة. والحكمة من هذا الابتلاء أن الله يختبر عباده بما يبدو سهلاً ليُظهر مكنون قلوبهم — هل يطيعون أم يتّبعون أهواءهم وكبرياءهم؟ أكّد صالح عليه السلام أن العقاب سيكون قريباً وعاجلاً إن اعتدوا عليها، فقال: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ و﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
هود: 64الأعراف: 73الشعراء: 156

تآمر التسعة رهط: رؤوس الفساد

كان في المدينة تسعة رهط — أي تسعة رجال من كبراء القوم وأشرارهم — يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. هؤلاء التسعة كانوا العقول المدبّرة وراء كل شرّ في ثمود. لم يكتفوا برفض دعوة صالح، بل تآمروا على قتل الناقة والتخلص من صالح نفسه. أقسموا بالله على مكرهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ — خططوا لقتل صالح وأهله ليلاً ثم إنكار الفعلة! تأمّل هذا المكر الخبيث: يُقسمون بالله على الكذب والقتل، ويستخدمون اسم الله في تدبير الجريمة. لكن الله خير الماكرين: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. كان الله يعلم كل ما يدبّرون، وكان تدبير الله أعظم من تدبيرهم. فأنجى الله صالحاً وأهلكهم بما صنعوا.
النمل: 48-53

عقر الناقة والعذاب: الصيحة المدمّرة

تجرّأ أشقى القوم — واسمه قُدار بن سالف كما ذكر المفسرون — على ارتكاب الجريمة العظمى. انبعث لعقر الناقة بتحريض من القوم ورضاهم: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾. عقر الناقة وقتلها، فلم يكن هذا فعل فرد وحده بل كان فعل القوم جميعاً لأنهم رضوا به وحرّضوا عليه: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ جاءت بصيغة الجمع. قال لهم صالح عليه السلام: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ — أمهلهم الله ثلاثة أيام فقط. في اليوم الأول اصفرّت وجوههم، وفي اليوم الثاني احمرّت، وفي اليوم الثالث اسودّت. فلما جاء اليوم الرابع أخذتهم الصيحة — صرخة من السماء مدمّرة أهلكتهم جميعاً: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ۝ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. وجاء في موضع آخر وصف العذاب بالرجفة — الزلزلة العظيمة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. لم تنفعهم بيوتهم المنحوتة في الجبال ولا قوتهم ولا حضارتهم.
هود: 65-67الأعراف: 77-78القمر: 29-31الشمس: 14-15

نجاة صالح والمؤمنين والعبر المستفادة

قبل نزول العذاب، أنجى الله صالحاً عليه السلام والذين آمنوا معه برحمة منه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾. خرج صالح من بين قومه حزيناً على ما آل إليه أمرهم، والتفت إليهم بعد هلاكهم قائلاً: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾. في قصة صالح عليه السلام عبر عظيمة: أولاً — أن نعم الله تستوجب الشكر لا الطغيان، فثمود أُعطوا القوة والحضارة فاستعملوها في الكفر. ثانياً — أن المعجزات وحدها لا تكفي لهداية من أعمى الله قلبه، فالناقة خرجت أمامهم من صخرة فلم يؤمنوا. ثالثاً — أن رضا الإنسان بالمنكر يجعله شريكاً في الذنب، فقُدار عقر الناقة وحده لكن العذاب أهلك القوم جميعاً. رابعاً — أن الله يُمهل ولا يُهمل، فأمهلهم ثلاثة أيام قبل العذاب. وقد جعل الله آثار ثمود عبرة للمارّين بها: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
هود: 66-68العنكبوت: 38الحجر: 80-84
ترتيل

صالح عليه السلام

ثمود قبيلة عربية عريقة سكنت منطقة الحِجر — وتُعرف اليوم بمدائن صالح — في شمال غرب الجزيرة العربية. جاؤوا بعد قوم عاد الذ...

استمع للقصة:

لا يتوفر تسجيل صوتي لهذه القصة.